عبد الوهاب الشعراني
205
تنبيه المغترين
كثرة التوبة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة التوبة والاستغفار ليلا ونهارا لشهودهم أنهم لا يسلمون من الذنب في فعل الأفعال حتى في طاعتهم فيستغفرون من نقصهم من خشوعها ومن مراقبة اللّه تعالى فيها ، وقد درج على ذلك السلف خلاف ما عليه غالب متصوفة هذا الزمان الذي نحن فيه ، حتى إني سمعت مرة بعضهم يقول نحن قوم لا ذنوب علينا بحمد اللّه تعالى ، فقلت له : كيف ؟ قال : لأننا نشهد أن اللّه تعالى هو الفاعل لا نحن ، فقلت له : فإذا وجب عليك الاستغفار والتوبة لأنك هدمت جميع أركان الشريعة وأبطلت حدودها وو اللّه لو كنت أنا ذا سلطان لضربت عنق مثل هذا ، فإن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وجميع الأكابر كانوا يشهدون أن اللّه تعالى هو الخالق لأفعالهم ومع ذلك استغفروا وبكوا حتى نبت العشب من دموعهم ، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : [ ألا أنبئكم بدائكم ودوائكم ، فإن داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار ] ، وقد كان أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه يقول : العجب ممن يقنط ومعه النجاة ، فإذا قيل له وما هي النجاة ؟ قال : كثرة الاستغفار . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : استغفار اللّه تعالى لا إقلاع توبة الكذابين ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يناجي اللّه تعالى بقوله : إلهي إن إبليس لك عدو وهو لنا عدو ولا نغيظه بشيء هو أنكى له من عفوك عنا فاعف عنا برحمتك يا أرحم الراحمين ، وكان أبو عبد اللّه الأنطاكي رحمه اللّه تعالى يقول : ترك معصية واحدة وإن صغرت أرجى للرحمة من ألف حجة وألف غزوة وألف رقبة يعتقها العبد للّه تعالى ، وفي رواية إن ترك كذبة واحدة أو خلف وعد أو نظرة إلى ما لا يحل أرجى للرحمة والمغفرة من كثرة النوافل مع الكذبة أو النظرة أو خلف الوعد ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : أربع لا يعبأ بهم عاقل : زهد الخصيان في الجماع ، ونسك النساء وتوبة الجندي وقراءة الصبيان . وقد كانت رابعة العدوية رحمها اللّه تعالى تقول : استغفارنا يحتاج إلى استغفار - يعني من عدم الصدق فيه - ، وكان خالد بن معدان رحمه اللّه تعالى يقول : يمر التوابون على جهنم فلا يرونها فيقولون يا ربنا ألم تعدنا أننا نرد النار ، فيقال لهم إنكم مررتم عليها وهي خامدة لكونكم كنتم تائبين ، فإنها لا تهيج إلا من الذنوب والإصرار عليها ، وقد أجمع أهل